الثالثة والثانية والأولى
وفي ذلك الصباح الباهر تدفق المطر وغرد الشجر وأينع الثمر وابتهج البشر
Read Moreوفي ذلك الصباح الباهر تدفق المطر وغرد الشجر وأينع الثمر وابتهج البشر
Read Moreحين ينفجر النور
يحلق طائر الفينيق
فوق صهوة المرفأ
تُزهِرُ أشجار التفاح الدافئة
أصلها ثابت في بطن الحوت
وفرعها في السماء السابعة
Read Moreيَتَلبَسُها أ لَّ مُ الفقدِ
يعتصِرُ رَونَقها
لا
خواتم تزيّنها
أو نقوش حناءٍ كئيبةْ
خضاب خافتْ
وشم نافقْ
أساور نحيلة
خلاخيل ضيقة
أو حتى طلاء أظافر متقشِّر
Read Moreآه يا ليل
في قلبي حجر
وفي كأسي نيازكٍ هوت من لُجة السماء
فأشعلت نيرانها في وليمة عشائنا الأخير
.ورفاقي لم يحضروا حفل عرسي الجنائزي
آه يا ليل
في فمي
مرارة بحر صوفي غرق قبل الطوفان
هجرته شواطئه السمراء
مراسي سفن صدئة تمخر عباب الرمل
نشيج بحارة شربوا ماء البحر فأنهكههم الظمأ
بهجة أطفالي لمرأى أقرانهم يعيثون عبثاً
عنفوان أمواج يداعبها صخب النسيم
دفق زخات مطر خريف حارقة
.حبور فراشات ربيع النهايات
آه يا ليل
رأسي سمكة عالقة
بريشة نورس مهاجر إلى الشمال
.وجناح المساء يغويني بالرحيل
آه يا ليل
ضباب كثيف يخنق عينييّ
تسقط أهدابي أشواكاً
في أحضان أشجار الصنوبر
أحدق في عتمة سرمدية
تسرق وهج القمر
وملامح نجوم تائهة
.في غربة ليلية لا تتوقف
آه يا ليل
أكاد لا أراها
نبتت في ضلوعها المنكسرة
شظايا زجاج الشوق
حصدت عشقها سكينة غدر
.وراء الباب
آه يا ليل
لو تجمع ما في صدري
من أصداف اليتم
لسقيتك عطشاً من نهر الفرات
.حتى تثمل
آه يا ليل
لو تسمع ما يشدو في أذني
لأطربك شجن ترنيمة غزل عراقية
.أنشدها لأطفالي لينامون
آه يا ليل
أبنائي عشرة
مسافرون بدون حقائب
أسافر معهم في أحلامهم كل ليلة
أقبل صورهم كل صباح
أمسح وجوههم المتوهجة حزناُ
.أضم وسائدهم الباردة إلى نحري
آه يا ليل
أهواهم
لست أنساهم
أَعِد لي صدى ضحكاتهم
أَعِد لي شهقاتهم الملهوفة
أَعِد لي رائحة البحر
أمنحني فقط نظرة أخيرة
أنسجها في خيوط اللقاء
ترن في ناموس ذاكرتي
ألتصق بها بحميمية
قبل
أثناء
بعد
.الفراق
آه يا ليل
لن أرحل قبل أن أراهم
سأنتظرهم حتى يعودون
.سأنتظرهم حتى يسأم مني الانتظار
نجاة الشافعي
وكلما قلت إنّي ارتويتُ من الحب لا أرتوي
وكلما قلت سأنتهي من العشق لا أنتهي
وكلما قلت سأتوب عن البوح لا أنثني
وكلما قلت هو فنائي أعود إلى النار أرتمي
وكلما قلت هذه آخر كأس أتجرعها لا أكتفي
أنا بذرة وهو التراب والماء والهواء وأنا إليه أنتمي
.القتل في الحب عادتي فالمحب لا يرعوي
!لا أكتب
لأن الفضاء إستباحه غربان وغرباء
غزاة القصائد
وصائدوا المعاني
يلتقطون ما تساقط من حروف
ما تهشم من عبق المشاعر
ما تناثر من عقود القوافي
يطلونها بأحمر شفاه فاقع
بائعوا الرقيق ينعقون
يسيل العسل المر من أنيابهم
. كلمات مخملية كالسراب يعانقها الضباب الكثيف
لا أقرأ
إلا ما لم تخطه أناملهم
إلا ما لم تمسسه أطيافهم
إلا ما لم تدمره لوثتهم
فللقراءة بريق
لا يبهت
لا يخفت
حتى في الخريف
.بين أطلال الحروف
لا أرى
ما يبصرونه
لا أرى
إلا
شمعة هزيلة
واقفة في شموخ العتمة
تأسرني فأحوم حولها
.فراشة تهوى الإنتحار
لا أسمع
إلا عويل الأرامل
بكاء الأطفال
كل ما يدسونه خلسة داخل البئر
تلتقطه أذني
.فأبكي على وسادتي طوال الليل
ولن أتكلم
فحيح كلمات
كانت في ما مضى تغرد خلف القضبان
أما الآن فصارت
لا تحمل رائحة أو طعم
فقط ألوان صاخبة مبهرجة
.تمتهن الغواية
١٢ رمضان ١٤٣٧هـ
2016/6/18
امرأة تشبهني
قُدَّتْ من ماء
.في سبعة أيام عجاف
القطرة الأولى
تنزلت من العرش
على قلب حواء
.جذوة من نور ونار
زيتونة
لا شرقية ولا غربية
تتقد المشكاة
.لا تنضب
.لا تنطفأ
تحرثُ الغيوم
تلحفت بالماء في عتمة البئر
.نخلة تعجن الخبز والحناء
هجمت عليها الغربان
فأنامت رضيعها
على وسادة الأمواج
.ثم عاد إليها وعدا في ليلة مقمرة
وانفطر اليم نصفين
فعبرتْ متأنقة
على صهوة حصان أبيض
.للضفة البعيدة
أناخت أسراب الحمائم الذهبية
في ركن شرقي
.حين ذبلت أجنحتها
جرفها السيل
فكشفت ساقيها
تعلقت بعيون الهدهد
.يبشرها بموسم المطر
لا بوصلة لديها ولا خرائط
تسحرها المرايا حتى النخاع
تحرقُ المسافات
تقفزُ على الزوايا الحادة
.هادرة بسرعة الشلالات
وصلت إلى مئذنة نحيلة
عند ضفة النهر
شمتْ رائحة قميصه
.ارتدتْ بصيرة
امرأة تشبهني
قُدَّتْ من ماء
تتأبطُ أشرعة الريح
تهاجر إلى السحب
.وتعود عند كل حصاد
رسم وكتابة
نجاة الشافعي
٢ رمضان ١٤٤٠هـ
أحبُ سعف النخل تشدو فوقه قوافل النحل
الورد الجوري يغني في الحقل
أهازيجَ متيمة بتراتيل الوسنان
أتوق إلى لمسة طفل يداعب ريشي
تُلهمني براءة عينيه أملاً في انعتاقي
يشنّف أذني ضِحكُهُ الرنان
أحلمُ كل صبح بأعمدة النور
تنسلّ من عباءة الليل
أسمعُ شهيق الصبح متدفقا
أبحرُ في مآقي الشطآن
أحلق نسرا مرجانيا
من دفة الشجن أطير
إلى أشرعة السفن الصدئة
أحوم حول شقائق النعمان
إن القمني القهر حجرا أو حبا سيان
أمد جناحي الصغير إليه مصافحا بحنان
أحنو برقة على ضفائر الأقحوان
أُشعلُ منقاري قنديلا في البحر
أروم وصلا بفراشات المطر
قلبي تبرعمت فيه السنابل كالدرر
ما بيني وبين عشي آلاف الخِلجان
أعيدوا لي رفاقي
أحضروا لي قميص أمي
نبض روحي المسلوبة مني
ذكرياتٌ غدر بها الزمان
ما أشد قيود الروح
تشد عنقي للقاع
لا حلم يذكرني أو حبيب
جنازتي تسير خلسة بين الأحياء
غبارٌ يلفنِي في مرايا النسيان
قيح أغلالي
أشواك غربتي
كآبة قفصي النحاسي
طعناتهم في ظهري
توهجت في سماء العرش كزهر الرمان
تُصلبُ حريتي غيلة
تُسلب أحلامي عنوة
لكن ها قد أسفرت عناقيد فجر قرمزية
قطافها قد حان
عند رحيل البلابل
تنزلت في قفصي نوارس تتلو القرآن
أسرَّ خامسهم في أذني
فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ
لقد آن الأوان
كَسَّرْتُ جدران الصمت مغردا
للعصفورِ مثلي حياةُ السوسن
تخفقُ نوراً عندما يرتفع الآذان
٢٩ شعبان ١٤٤٠ هـ
المرأة المُعَنَفَة حدثتني على الجوال وهي تنتحب كمن يحتضر، بصوت يعلو تارة ويخفت أخرى وعندما تشتد نوبة البكاء وتشهق لا أكاد أميز ما تقول. ثم تماسكت قليلا بعد طوفان البكاء قائلة: هدى، أنتِ صديقتي الوحيدة وسوف أصارحك بسري فأدفنيه في بئر الصمت. خلاص,، زوجي انتهيت منه، سوف أطلقه هذه المرة، ولن أعود ولن أنظر إلى الوراء، احترقت كل جسور الود بيننا، لن أنسى كل ما فعله، مستحيل أغفر له خيانته، سأمت حياتي معه وأكاد أُجَن، وكلما ضاقت بي الدنيا صرت أشرب القهوة بشراهة وأدخن ليلا ونهارا وأصرخ وأضرب أطفالي وأحيانا أضرب حتى نفسي، صدري حتى يحمر ورأسي حتى يفترسني الصداع. وأكثر من مرة فكرت بالانتحار والهروب من المنزل. أعطيته فرص عديدة ولم يغير أسلوبه أو معاملته لي
صدقتها وتعاطفت معها فنحن جيران منذ أبصرنا الدنيا ودرسنا معا في المدرسة وتزوجنا في نفس السنة. قدمت لها العديد من النصائح على طبق من ذهب: توقفي عن هذه العادات السامة التي تقتلك ببطء فمن لأبنائك غيرك. عبري عن مشاعرك بالحديث لمختصة نفسية ولا تكتميها لأنها كالقنابل قد تنفجر في داخلك وخارجها. اتصلي بأحد من أهله لكي توضحي لهم ما حدث بينكما ولكي إما يصلح ما بينكما أو حتى ينهي الأمور العالقة في المستقبل. اكتبي كل ما يزعجك منه في ورقة وحسناته.
فقاطعتني متهكمة: حسناته؟ ماذا؟ هو شيطان رجيم يلبس لبس حمل وديع، مخادع منافق كذاب. أنا من أوقفته على رجليه وصرفت عليه من جهدي ووقتي وكل ما أملك ولكن لم يثمر الجميل وعض اليد التي امتدت إليه. إنه إمعة ناكر للجميل. وآخر الدواء الكي. أجبتها: إن كنتِ متأكدة هذه المرة فتحدثي لوالدك لينهي الموضوع وليحاول أن يحصل لك على حضانة أبنائك إن أثبتم أنه ليس بكفء لرعايتهم.
صرنا نتقابل ونتصل ببعض على مدى أسبوع كامل، ثم حدثتها في اليوم الثامن لاطمأن عليها فقالت: عادت المياه إلى مجاريها وأرتجف صوتها، أطفالي لأجلهم سامحته، لكن منذ رجع للمنزل لم أنظر في عينيه ولا أود أن أناقش شيئاً معك الآن.
أقفلتُ سماعة الجوال غير متفاجئة. هي كما هي لم تتغير. تقف على حافة الجبل الشاهق وتنظر للأسفل فترى العالم صغيرا كدمية، ثم تنزل من الجبل وترى ما رأته ضخما كبيرا. خالجني شعور أنها سوف تحدثني بعد فترة ليست بعيدة.
نجاة الشافعي
٢٢ ابريل ٢٠١٩م
هل من عيد من جليد
نلهو به قليلاً
نتلبس البسمة حيناً
وننتزعها حيناً
ريثما يذوب شمع الشفاه؟
كأعيادٌ حميمةٌ
هدرها جنون الفقد
بترها البــحـر
ضفة مالحة للنساء
وضفة مُرَّةٌ للغرباء
وأخرٌ يتبعها جدب
نفقت جيادها هجراً
وطأت أقدامها جمراً
قبل أن تسير
بلا ملامح
أقبل عيدٌ مبسترٌ
معتقٌ على سقف كرم
يكابد نشوة تحدرت
من أصلاب النخيل
نافرٌ ظله
أنغرز في حفرة
فقد ريقه
فهجرته بلابل الإمتاع
تناثر ريشٌ غزيرٌ
من ذيل السماء
طائر الفينيق يحط
يختال في صدره
غريقٌ سقط دلوه
عندما سقى الرعاة
سلبوا ألوانه فجرا
فما عاد ينتظر لون الفرح
حين ضل طريقه
حامت روحها حول العش
ريح الشمال تشعل رأسها
تبيت على شوكة
رماد عجنته يد الفوضى
أغصانه تنغمس في عروقها
مرارته تذوب في ماء عينيها
ما أكثر الأعياد
وما أشقاها
هل كان ضيفا أثقلته جراحاتها
أم حلما بريئا بترته أصابع اللهو
قبل أن يستوي في المهد
أم مزاجا سيئا جمح به القدر؟
أقرأوا كل ما مر من الأعياد
من منها صحيفته بالألوان
يقطر حبرها بماء الزهر
لذا خيروا العيد القادم
بين أن يسير بدون ورقة توت
أو أن يغفو في حضن غيمة
فقد فرغ كيسه من الدهشة
وسنفتقده حتى بعد أن يأتي
وارتدوا
هالته البيضاء
أو سره الأعظم
فليس للعيد
سوى عنق زجاجة
وللبهجة ألف مرآة
وامرأة
25/10/2006
ثالث أيام عيد الفطر السعيد
العمل الفني: نجاة الشافعي
عروس البحر
"أف! اللعنة....…"
أحكمتُ إغلاق مزلاج لساني قبل أن يعلو صريره الحاد فتتطاير منه ألفاظ نابية عارية عن اللباقة تخدش براءة زميلاتي اللاتي تكدسن في مكاتب ضيقة كعلب السجائر
تلِجُ مدرسة العربي المنقولة حديثاً الغرفة، تتبعها دميتان نحيفتان ترزحان تحت عبء هضبتين شاهقتي العلو من الكتب والكراسات فتغيم قسمات وجهيهما الطفولية وتتراقص ضفائرهما بدون هوادة. بعض المعلمات غارقات في دوامة تحضير الدروس أو في تصحيح تلال الكراسات المكومة في كل مكان كأوراق شجر نزفتها غابة في منتصف الخريف. وأخريات يتباهينَّ بما تغص به قواريرهن من حكايات منمقة دفعاً لعربة الوقت للأمام. تبادلنَّ الأدوار في قص روايات شهية تسيلُ الخيال تارةً عن الخادمات الغارقات في بحور الكسل، وتارةً عن طلبات الأبناء التي لا تنضب، أو عن العلاقات الباردة مع الأزواج، أو الجارات ثقيلات الظل حين يهبطن فجأة بدون سابق موعد ويمكثن حتى وقت متأخر من الليل. أما معلمات العلوم فقد تنحينَّ جانباً وانهمكنَّ في الحديث حول طريقة إعداد بعض الأطباق المشهورة كالبيتزا والشيز كيك والموس بالشوكولاتة. لا شيء يعكرُ صفو الجو المخملي سوى ضجيج الطالبات الذي يقتحمُ عليهنَّ خلوتهن الحميمة
كانت الجدران المتسلخة للمبنى القديم المستأجر تنفثُ رائحة الطعام المغرية في سماء الغرفة، لذلك كانت قطة سوداء تمؤ خارج الباب ليسعفنها بما تجود به أيديهن الكريمة. كنَّ قد انتهينَّ للتو من تناول وجبة الفطور حيث ارتشفنَّ رحيق الأطباق المتنوعة. بدأنَّ بالقهوة العربية والتمر، تلتها فطائر الجبنة واللبنة والزعتر والسبانخ والفلافل ثم الخبز الأفغاني-التميس- والفول المدمس والعدس وأنهينها بكيك الفواكه والشوكولاتة
انتهزُ وقت الفسحة لمطالعة الجريدة اليومية على عجل. عادة أدمنتها منذ فترة المراهقة لشغفي بملاحقة أخبار الفنانين ولاعبي كرة القدم، لكن لم أشعر بعواقبها الوخيمة إلاَّ عندما بدأت تعتريني نوبات الكآبة من حين لآخر. أختي الكبرى تزجرني كلما رأتني متلبسة بالجرم المشهود وتصادر الجريدة من يدي قائلة: "يا الخبلة! ما قلت لك أن تتركي القراءة! أصلك غاوية شقاء وتضييع فلوس! طول عمرك حماره ما تسمعين الكلام!"
:أرد بصوت عال
(!بكيفي! هذه حياتي)
إعلان "بيرة باربيكان" طاووسٌ يختال زهواً على عرش صفحة الأخبار المحلية. شباب نزق يعتريهم مس من نشوة فائرة. يقودون سيارة ويلوحون بقبضات أيديهم في الهواء. يرسمون ضحكات مغتصبة على شفاههم بينما يرتشفون قناني البيرة بنهم
في ذيل الصفحة توارى عن الأنظار أسفل الإعلان خبر ضئيل الحجم لا يتجاوز طوله أحد عشر سنتيمتراً هجرته أعين القراء كمن أصابه الجرب ففر عنه أعز الناس إلى قلبه
لقيتْ ثلاث معلمات حتفهن في طريقهن إلى مدرستهن بقرية نائية، أما السائق فنجا بأعجوبة ويرقد حالياً في المستشفى برضوض متفرقة. إحدى المعلمات حامل في الشهر السابع والثانية أم لطفلين
عيناي شاخصتان على الصورة المرفقة بالخبر تتأرجحان بين تصديقه وتكذيبه. حافلة صغيرة تمزق ثوبها المعدني. انصهرتْ أحشائها وتدلتْ خارجها. دم لزج كثيف تجمع في بقع راكدة يروي أفواه فاغرة في جوف الإسفلت المتصدع. فتشتُ الصورة طويلاً لكن لا أثر لهن، يبدو أن عين الشمس قد أصابها القذى فلم تستطع أن تبصر أشلائهنّ الممزقة التي انتحبتْ يُتماً على صدر الرمال الدافئة
يدقُ جرس الخلاص. أرفعُ رأسي المدفونة بين صفحات الجريدة وألقي بها فوق رقبتي، لا تقوى على حملها فتخر صريعة على صدري، وتنزلق نظارتي فوق أرنبة أنفي. أتوكأ على عكازتي. أزحف كسلحفاة فقدت صدفتها
التقطتُ عقب طبشورة صفراء. عادة ما تفرغ معدة الفصل من الطباشير البيضاء بعد الفسحة لأن معلمات الرياضيات والعلوم يزدردنها بشهية بالغة. كتبتُ بيد مرتجفة على السبورة: اقرأن درس المطالعة "يومُ الشجرة" صفحة ثلاثين قراءة صامتة ثم أجبن على الأسئلة في الكراسة
تسمرتُ في المقعد المتهالك عند الباب. ما زالت تحدق بي حمائم ذبحت بخنجر مسموم في الظهر، وأفواه محفورة في الإسفلت تجلطت على شفاهها دماء زرقاء، وأقدام عارية لن تحث الخطى للفصل عندما يدق جرس الحصة. أحسست بدوار حاد يخنق أنفاسي
ضباب كثيف يسرق البصر. نهوي بخفة في الأخدود كريش متساقط من جناحي عصفور. يتهشم زجاج الحافلة ثم يتفتت كرذاذ الطباشير. الشظايا تكشر عن أنيابها. جسدي صباره متشققة تتصبب منها حمم الدماء. شلال ماء يتدفق بين فخذيي. الأنابيب تغزو شراييني. الأربطة ثعابين تلتف حولي..حلقي جاف ككثبان الربع الخالي. ثقب غائر ينهش أحشائي. توقف كل شيء عن الدوران
:كسرتُ موجة السكوت. باغتهن بسؤال ينضح مرارة
"ماذا تردنّ أن تصبحنّ عندما تكبرن؟"
:دارت أجوبتهن بشكل آلي
"ربة منزل، طبيبة، مهندسة، محامية، سيدة أعمال، مديرة، رسامة، مهندسة ديكور، ممرضة، مبرمجة كمبيوتر، كاتبة، مصورة…"
:خاطبتهن بقلب وردة قطفت غدراً
"ماذا عن التدريس! التعليم مهنة إنسانية نبيلة. مَنْ تودُ أن تصير معلمة؟"
نظرن إليّ بإشفاق بالغ. بدوت لهن كفأرة مذعورة تقرع جرساً ألتف حول رقبتها لتحذرهن من القطة الجائعة التي ستلتهم أحلامهن. مرت دقيقة حداد أتشحن فيها بالصمت. ثم أطرقن برؤوسهن مرتعبات من منظري الساخط، وتشاغلن بالإجابة عن الأسئلة في كراريسهن حتى نهاية الحصة
أقفلتُ عائدة للمنزل أتصبب عرقاً مراً في ظهيرة حارقة تلهبُ عباءتي السوداء بسياطها المازوشستية لتطهرني من خطايا الزمن الرديء. الإسفلت ينتصبُ واقفاً، يضحك علي ويمد لي لسانه. يمسك بقارورة بيرة باربيكان، يرتشفها بشغف. يترنح فيندلق من فيه قطران مشتعل. تذوب قدماي ثم تلتصقان معاً كذيل سمكة
انزلقت على الرصيف. امتزجت ببخار الماء. تحولت إلى فقاعة صابون ملونة ترتقي المنحدر
كتابة: نجاة الشافعي
4/4/2007 م