حُمَى
بابا! بابا!
صرختْ ابنتي الصغيرة فجأة، ويداها ترتجفان وهي تمسك بتمرة للإفطار. تناولتها من طبق صغير وضعناه على المائدة بجوار إبريق اللبن
.البارد، حين صدح صوت الأذان
:تسارعت دقات قلبي، نظرتُ إليها بفزع
"ما بكِ يا صغيرتي؟! ما الأمر؟!"
:هتفتْ بصوت مرتجف
.التمر مُرّ! ولفظته بتقزز
.زفرتُ براحة، كنتُ أظن أن مكروهًا أصابها. "لا بأس، قد تكون التمرة فاسدة." ناولتها كوبًا من اللبن البارد
.بابا! اشربي اللبن، ستشعرين بتحسن
أدنتْ الكوب من شفتيها. ارتشفت قطرات، لكنها فجأة تجمدت في مكانها، ارتجفت يدها، ثم انسكب اللبن على ملابسها. صرختْ مجددًا، صوتها أشدّ رعبًا هذه المرة
".اللبن، بابا! إنه بني اللون!"
.حبسْتُ أنفاسي. "ما الذي تقولينه؟!" وضعتُ يدي على جبينها، كانت ساخنة كالجمر. الحُمّى تنهش جسدها الصغير
حملتها بسرعة إلى فراشها، ألبستها ملابس قطنية خفيفة ثم شرّبتها دواء السخونة. صرنا نتناوب أنا وأمها بجانبها، نتحسس حرارتها ونراقب أنفاسها المتقطعة. خداها احمرّا كالتوت، زفرتْ ببعض التأوهات، لكنها سرعان ما غطّت في نوم عميق. بعد ساعات، استيقظتْ متعرقة، بردت أطرافها فجأة، فغطتْ جسدها باللحاف، لكنني رفعته عنها خشية أن ترتفع حرارتها من جديد، وأغلقت النافذة لئلا يتسلل إليها برد الفجر
تسمّرتُ أمام التلفاز. كانت نشرة الأخبار قد بدأت. المذيع يتحدث بصوت مرتعش، وجهه شاحب، والدمار يعمّ الشاشة. غارات جديدة. مئات القتلى، وآلاف الجرحى، ومهجّرون بين ركام بيوتهم أو في خيامهم المؤقتة. هطلت عليهم أمطار الجحيم، حممٌ من نار الغدر، ولم يُمهَلوا ليستيقظوا من نومهم حتى يودّعوا أحباءهم
في وقت السحور، جلستُ وحدي في ركنٍ معتم، بينما كان الجميع نائمين. أمسكتُ بتمرة، وضعتها في فمي.. كانت مُرّة! لفظتها فورًا. ارتشفتُ قليلًا من اللبن، لكنني تراجعتُ في فزع.. كان خاثرًا، ملطخًا بالسُخام
!هل انتقلت العدوى إليّ؟
نجاة ناجي الشافعي
١٨ رمضان ١٤٤٦هـ